لماذا انهارت الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الخماسية حول السودان في اللحظات الأخيرة؟
لماذا انهارت الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الخماسية حول السودان في اللحظات الأخيرة؟
في لحظة كان يُفترض أن تمثل خطوة جديدة نحو فتح مسار سياسي يخفف من وطأة الحرب، تحوّل تعثّر افتتاح اجتماعات أديس أبابا التي دعت إليها الآلية الخماسية إلى مؤشر إضافي على عمق الانقسامات داخل القوى المدنية السودانية، وعلى هشاشة البنى السياسية التي يُفترض أن تقود حواراً وطنياً جامعاً. فالمشهد الذي تكشّف في العاصمة الإثيوبية لم يكن مجرد خلاف إجرائي حول تركيبة الوفود، بل تعبيراً عن أزمة ثقة ممتدة، وعن صراع داخل المعسكرات السياسية حول من يملك حق التمثيل ومن يملك حق التحدث باسم السودان في لحظة مفصلية من تاريخه.
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن تمسك رئيس الآلية الإفريقية محمد بن شمباس بإشراك مجموعة يتزعمها محمد سيد أحمد الجاكومي فجّر اعتراضات واسعة داخل الاجتماع التحضيري، ما دفع عدداً من المجموعات، بما في ذلك بعض أعضاء وفد الكتلة الديمقراطية، إلى الامتناع عن حضور الجلسة الافتتاحية، الأمر الذي أدى إلى تعثر انطلاق الاجتماعات في موعدها. وتوضح مصادر مطلعة أن الخلافات تركزت حول معايير التمثيل والجهات المخوّلة بالمشاركة، في ظل مساعٍ حثيثة من الوسطاء لاحتواء الأزمة واستئناف الجلسات خلال الساعات المقبلة.
وتشير المعلومات إلى أن وصول وفد تحالف تأسيس إلى أديس أبابا قد يعيد ترتيب المشهد، وربما يزيد من تعقيداته، خاصة أن التحالف يمثل أحد الأطراف التي أثارت مشاركتها جدلاً واسعاً داخل الكتلة الديمقراطية. وحتى الآن، لم تصدر الآلية المنظمة بياناً يوضح أسباب تأجيل الجلسة أو موعد انعقادها الجديد، ما يترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات.
وفي خضم هذا الارتباك، جاءت تصريحات محمد عبد الرحمن الناير، الناطق باسم حركة تحرير السودان قيادة عبد الواحد، لتقدم قراءة مختلفة للمشهد. فقد اعتبر أن الاجتماعات حققت “نجاحاً مهماً قبل انطلاقها”، مشيراً إلى أن أبرز نتائجها كان استبعاد ما وصفها بواجهات الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني من المشاركة. ورأى الناير أن هذا التطور يمثل انتصاراً للقوى الساعية إلى وقف الحرب، وأنه أسهم في “فرز مواقف القوى السياسية داخل معسكر بورتسودان” بين أطراف تدعم إنهاء الحرب وأخرى ترفض وقفها.
وتكشف هذه القراءة عن جانب آخر من المشهد، إذ يرى الناير أن الاجتماعات أظهرت وجود قوى داخل معسكر بورتسودان لا تخضع بالكامل لتوجهات الحركة الإسلامية، وأن ذلك قد يفتح الباب أمام تفاهمات جديدة حول معالجة الأزمة الوطنية. ويؤكد أن المواقف التي أبدتها بعض القوى تستحق الدعم والتشجيع من أجل الدفع نحو تكوين جبهة مدنية واسعة تعمل على وقف الحرب وإنهائها.
لكن هذا التفاؤل يصطدم بواقع أكثر تعقيداً، يتمثل في الانقسام داخل الكتلة الديمقراطية نفسها، والذي برز بوضوح خلال الساعات الماضية عبر صدور بيانين متناقضين: أحدهما أعلن مقاطعة الاجتماعات، والآخر أكد المشاركة واعتبر الوفد الموجود في أديس أبابا ممثلاً رسمياً للكتلة. هذا التناقض، الذي لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد اختلاف تنظيمي، يعكس صراعاً داخلياً حول كيفية التعامل مع الآلية الخماسية، وحول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه الكتلة في العملية السياسية.
فالبيان الأول أرجع المقاطعة إلى غياب التوافق حول الترتيبات الإجرائية، وإلى ما اعتبره تجاوزاً لمبدأ “الملكية الوطنية”، مشيراً إلى أن الآلية الخماسية حددت مكان الاجتماعات وأجندتها دون تفاهمات مسبقة. كما انتقد دعوة تحالف تأسيس، معتبراً أن ذلك يمثل خلطاً بين المسارين السياسي والأمني، ويضع الدولة السودانية في مستوى واحد مع تاسيس
أما البيان الثاني، فقد أكد أن الكتلة وافقت مسبقاً على المشاركة، وأن رئيسها أشرف على الترتيبات واعتمد الوفد المشارك، مشدداً على أن الوفد الموجود في أديس أبابا هو “الوفد الرسمي والوحيد”. وأشار إلى أن مستجدات طرأت خلال الساعات الـ72 الماضية دفعت بعض الأطراف إلى التراجع عن موقفها السابق، دون توضيح طبيعة تلك المستجدات.
وفي موازاة هذا الجدل، أكدت ثلاثة تحالفات سياسية مشاركتها في الاجتماع التحضيري، وهي تحالف صمود، وتحالف تأسيس، والكتلة الديمقراطية. وأوضح تحالف صمود أن النقاشات ستركز على العملية السياسية وترتيبات المرحلة الانتقالية، وأن المشاركة ستقتصر على ثلاث كتل: مجموعة داعمة للقوات المسلحة، وأخرى مرتبطة بقوات الدعم ، وثالثة رافضة للحرب. هذا التصنيف يعكس إدراكاً بأن أي حوار جاد يجب أن يشمل الأطراف الرئيسية في النزاع، مهما كانت الخلافات بينها.
أما مني أركو مناوي، رئيس اللجنة السياسية للكتلة الديمقراطية، فقد شدد على ضرورة أن يكون الحوار سودانياً خالصاً وشاملاً، وأن يناقش القضايا الوطنية الكبرى وصولاً إلى أسس دستورية للفترة الانتقالية. وجدد رفض منح تحالف تأسيس أي امتيازات سياسية، محذراً من أن تجاوز متطلبات العدالة سيؤثر سلباً على مستقبل العملية السياسية.
وفي النهاية، يكشف تعثّر افتتاح اجتماعات أديس أبابا عن حقيقة مؤلمة: أن القوى السياسية السودانية، رغم اتفاقها على ضرورة إنهاء الحرب، لا تزال عاجزة عن تجاوز خلافاتها الداخلية، وأن الانقسامات داخل الكتل المدنية باتت تشكل عقبة لا تقل خطورة عن الصراع العسكري نفسه. وما لم تتمكن هذه القوى من بناء توافق داخلي حقيقي، فإن أي عملية سياسية ستظل معرضة للتعثر، مهما كانت نوايا الوسطاء الإقليميين والدوليين.
لماذا انهارت الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الخماسية حول السودان في اللحظات الأخيرة؟
— اخبار السودان (@sudanakhbar) June 4, 2026
👇🏾 التفاصيلhttps://t.co/ufgEzsx0XX
بواسطة Eng.MA
on
يونيو 04, 2026
Rating:

ليست هناك تعليقات