معلمو السودان يحذرون: التعليم أصبح أداة في الحرب وأجورنا تحت خط الفقر

 

التعليم

معلمو السودان يحذرون: التعليم أصبح أداة في الحرب وأجورنا تحت خط الفقر



يبدو بيان لجنة المعلمين السودانيين، في حدّته وامتداده، انعكاسًا مباشرًا للأزمة العميقة التي يعيشها قطاع التعليم في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه قدرة الدولة على حماية أبسط حقوق العاملين فيه، حيث تتقاطع الوعود الحكومية مع واقع معيشي يزداد قسوة، ويجد فيه المعلمون أنفسهم في قلب معركة يومية من أجل البقاء أكثر من كونهم جزءًا من منظومة تعليمية يفترض أن تنهض بالمجتمع. وما يمنح هذا البيان ثقله هو أنه لا يناقش مجرد قرار إداري بفتح مدارس فنية، بل يضع التعليم نفسه في سياق صراع سياسي واقتصادي يهدد مستقبله.

فقد وصفت اللجنة توجيه رئيس الوزراء  بفتح عشرين مدرسة فنية بأنه خطوة «في الاتجاه الصحيح»، لكنها سارعت إلى التأكيد أن مثل هذه المبادرات، مهما بدت إيجابية، لا يمكن أن تكون أولوية في ظل غياب استجابة فعلية لمطالب المعلمين الأساسية. وتشير اللجنة إلى أن الحد الأدنى للأجور، البالغ نحو 12 ألف جنيه، لا يعادل سوى بضعة دولارات، بينما لا يتجاوز راتب الدرجة الأولى 96 ألف جنيه، في وقت أصبحت فيه تكلفة المعيشة «لا تُطاق». ويعكس هذا التفاوت حجم الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه العاملون في التعليم، والذين تقول اللجنة إنهم ينتظرون «أفعالًا لا أقوالًا».

ويطرح البيان سلسلة من الأسئلة التي تكشف عن شكوك عميقة تجاه السياسات الحكومية، بدءًا من المناطق التي ستُقام فيها المدارس الفنية، مرورًا بآليات التمويل والتشغيل، وصولًا إلى ما إذا كانت هذه الخطوة جزءًا من مشروع وطني أم مجرد نشاط علاقات عامة. وتذهب اللجنة أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن التعليم أصبح «أداة من أدوات الحرب»، مع وجود 14 مليون طفل خارج المدارس، وهو رقم يعكس حجم الانهيار الذي أصاب القطاع منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023.

وتربط اللجنة بين تدهور التعليم واستمرار نفوذ النظام السابق داخل مؤسسات الدولة، متهمة ما وصفته بـ«الرعي الجائر» في المناهج والنقابات وإدارات التعليم، وهو ما ترى أنه جعل الفساد والمحسوبية جزءًا من الأداء الحكومي. وفي هذا السياق، تدعو اللجنة إلى تحويل التصريحات الحكومية إلى خطة تنفيذ واضحة بجدول زمني معلن وتمويل كافٍ وبنية تحتية مناسبة، مؤكدة أن «التعليم ليس لافتة سياسية، بل مشروع دولة».

ويستشهد البيان بتصريحات عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، الذي أكد أن التعليم والمعلمين على رأس أولويات الحكومة، قبل أن تضيف اللجنة أن الأولويات لا تُقاس بالخطابات، بل بالميزانيات والقرارات المنفذة وتحسين شروط الخدمة. وتطالب بتهيئة البيئة التعليمية عبر وقف الحرب فورًا وتحييد التعليم عن الصراع السياسي والعسكري، ورفض أي إصلاح شكلي يقوم على حذف شعارات ثورة ديسمبر أو العودة إلى مناهج 2013.

وفي الجزء الثاني من البيان، تكشف اللجنة عن تدهور غير مسبوق في الأوضاع المعيشية للمعلمين، مؤكدة أن دخولهم لا تصل حتى إلى خط الفقر العالمي البالغ 1.9 دولار يوميًا. وتشير إلى أن مرتب الدرجة الأولى، لمن تجاوزت خدمتهم 30 عامًا، لا يتجاوز 220 ألف جنيه، بينما لا يزيد مرتب مدخل الخدمة على 80 ألفًا، وما يتقاضاه بعض العاملين لا يتعدى 25 ألف جنيه، وهي مبالغ لا تغطي حتى كلفة المواصلات اليومية. وتضيف أن تكلفة المعيشة بلغت في أغسطس الماضي نحو 1,586,000 جنيه، في ظل ارتفاع متسارع في أسعار الغذاء والسكن والدواء.

وتلفت اللجنة إلى حذف بدلات طبيعة العمل وبدل الوجبة منذ بداية الحرب، وتجميد الحد الأدنى للأجور منذ يناير 2022، رغم التضخم المتصاعد. كما تكشف عن استقطاع 2000 جنيه من بعض المعلمين تحت مسمى «تأمين شيكان»، وهو ما وصفه المتحدث باسم اللجنة سامي الباقر بأنه «سابقة خطيرة» قد تعيد الاستقطاعات غير القانونية السابقة.

وتتطرق اللجنة كذلك إلى ما وصفته بتحويل المرتبات إلى أداة ضغط إداري في ولاية الخرطوم، حيث أُدرجت عبارات «يوقف مرتبه» في كشوفات بعض المعلمين الذين اضطروا لمغادرة البلاد بسبب الحرب. ويقول عضو اللجنة حسن عبد الرضي إن المرتب «حق مكتسب لا يجوز وقفه دون قرار مكتوب ومسبب»، مؤكدًا أن الخروج من البلاد بسبب الحرب يُعد ظرفًا قاهرًا يستوجب معالجات استثنائية.

وفي ختام البيان، تطالب اللجنة بوقف الحرب باعتبارها «السبب الجذري للأزمة»، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 216,600 جنيه، وصرف متأخرات 14 شهرًا، وإعادة جميع البدلات والعلاوات المحذوفة. وتؤكد أن استمرار الوضع الحالي «يهدد مستقبل العملية التعليمية في البلاد»، وأن أي إصلاح حقيقي يبدأ من الاعتراف بأن التعليم لا يمكن أن ينهض في ظل حرب مفتوحة وفقر مدقع وغياب إرادة سياسية جادة.

معلمو السودان يحذرون: التعليم أصبح أداة في الحرب وأجورنا تحت خط الفقر معلمو السودان يحذرون: التعليم أصبح أداة في الحرب وأجورنا تحت خط الفقر بواسطة MA.A on يناير 19, 2026 Rating: 5

ليست هناك تعليقات

مدون محترف